التقاضي والتحكيم
صياغة شرط التحكيم في العقود التجارية: أخطاء شائعة وكيف تتجنبها
شرط التحكيم غالبًا آخر ما يُكتب في العقد وأول ما يُقرأ عند النزاع. نستعرض أكثر أخطاء صياغته شيوعًا في ضوء قانون التحكيم المصري، وكيف تكتب شرطًا واضحًا قابلًا للتنفيذ.

٦ دقائق للقراءة

كثيرًا ما يُضاف شرط التحكيم في الساعات الأخيرة من التفاوض، منقولًا من عقد سابق أو من نموذج عام، دون أن يُراجَع بالعناية التي تحظى بها بنود السعر والتسليم والضمانات. لكن حين ينشأ النزاع يصبح هذا الشرط أهم بنود العقد كله؛ فهو الذي يحدد أين يُنظر النزاع، ومن يفصل فيه، وبأي لغة، ومدى سهولة تنفيذ الحكم الذي يصدر في النهاية.
يمنح قانون التحكيم رقم ٢٧ لسنة ١٩٩٤ الأطراف مساحة واسعة لتنظيم التحكيم بإرادتهم، لكن هذه الحرية نفسها مصدر أغلب المشكلات؛ فالشرط الغامض أو المتناقض قد يفتح بابًا لنزاع جانبي حول اختصاص هيئة التحكيم يستغرق شهورًا قبل الوصول إلى موضوع الخلاف.
الكتابة والوضوح شرطان لا غنى عنهما
يشترط القانون أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا وإلا كان باطلًا، ويتحقق ذلك بعقد موقّع من الطرفين أو بما يتبادلانه من مراسلات مكتوبة. ويجوز أن يحيل العقد إلى وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم، كالشروط العامة لمورد، متى كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءًا من العقد. أما الإشارة العامة إلى «الشروط والأحكام» فمحفوفة بالمخاطر ما لم يُتحقق من أنها تتضمن شرط التحكيم، ومن أن الطرف الآخر اطلع عليها وقبلها.
ويجب كذلك أن يكون اختيار التحكيم قاطعًا. فعبارات مثل «يجوز للطرفين اللجوء إلى التحكيم أو إلى المحاكم المختصة» تثير التساؤل عما إذا كان التحكيم قد اختير أصلًا، وكثيرًا ما تنتهي بمعركة إجرائية حول الاختصاص كان يمكن تجنبها بسطر واحد واضح.
أخطاء الصياغة الأكثر شيوعًا
في العقود التي نراجعها تتكرر الأخطاء التالية:
- ذكر مؤسسة التحكيم باسم غير دقيق، أو تسمية مؤسسة غير موجودة أصلًا مثل «غرفة التحكيم بالقاهرة».
- النص على التحكيم، ثم النص في بند لاحق على اختصاص محاكم القاهرة بنظر «أي نزاع».
- تحديد عدد زوجي من المحكمين، مع أن القانون يوجب أن يكون عددهم وترًا إذا تعددوا، وإلا كان التحكيم باطلًا.
- إغفال تحديد مقر التحكيم ولغته، أو اختيار مقر لا صلة له بالعقد.
- اشتراط مؤهلات تفصيلية في المحكم تجعل تشكيل الهيئة عسيرًا.
- اشتراط التفاوض أو الوساطة قبل التحكيم دون مدد محددة، بما يفتح الباب للمماطلة.
التحكيم المؤسسي أم التحكيم الحر؟
في التحكيم الحر يتولى الأطراف والهيئة تنظيم الإجراءات بأنفسهم، وهو ما قد ينجح بين أطراف متعاونين، لكنه يتعثر كثيرًا حين يمتنع أحدهم عن تعيين محكّمه أو يعترض على كل خطوة. أما التحكيم المؤسسي فيستند إلى مؤسسة قائمة تتولى الإخطارات، وتعيين المحكمين عند الحاجة، والفصل في طلبات الرد، وإدارة الأتعاب.
وفي العقود المرتبطة بمصر، كثيرًا ما يكون مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي خيارًا عمليًا لخبرته الطويلة وقواعده المستندة إلى قواعد الأونسيترال للتحكيم. وأيًّا كانت المؤسسة المختارة، فالمهم أن يُذكر اسمها وقواعدها بدقة.
ما الذي ينبغي أن يحسمه الشرط؟
الشرط الجيد قصير في الغالب، لكنه يجيب عن الأسئلة التالية:
- النطاق: كل نزاع ينشأ عن العقد أو يتعلق به، بما في ذلك تفسيره وتنفيذه وصحته وإنهاؤه.
- المؤسسة وقواعدها، أو آلية تعيين المحكمين إن كان التحكيم حرًا.
- عدد المحكمين: محكم واحد للنزاعات الأبسط، وثلاثة للنزاعات الأكبر. وإذا لم يتفق الأطراف على العدد جعله القانون ثلاثة.
- المقر، لأنه يحدد القانون الإجرائي الواجب التطبيق والمحكمة المختصة بنظر دعوى بطلان الحكم.
- اللغة، إذ يجري التحكيم وفق القانون المصري باللغة العربية ما لم يتفق الطرفان أو تحدد الهيئة لغة أخرى.
- القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع.
ومن المهم التذكير بأن شرط التحكيم مستقل عن العقد الذي يتضمنه؛ فبطلان العقد أو فسخه أو إنهاؤه لا يمس الشرط متى كان صحيحًا في ذاته، فلا يستطيع أحد الطرفين التحلل من التحكيم لمجرد ادعائه بطلان العقد.
مثال توضيحي لشرط مؤسسي مختصر: «كل نزاع ينشأ عن هذا العقد أو يتعلق به، بما في ذلك وجوده أو صحته أو تفسيره أو تنفيذه أو إنهاؤه، يُحال إلى التحكيم وفقًا لقواعد مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، وتُشكَّل الهيئة من ثلاثة محكمين، ويكون مقر التحكيم القاهرة ولغته العربية». ويجب دائمًا تكييف الصياغة مع طبيعة العقد.
الأهلية والمسائل التي لا يجوز فيها التحكيم
لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا لمن يملك التصرف في الحقوق محل النزاع، ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، كمسائل الأحوال الشخصية والمسائل الجنائية. لذلك ينبغي التحقق من أن من يوقّع نيابة عن الشركة يملك سلطة الاتفاق على التحكيم. وفي عقود الجهات الحكومية ذات الطبيعة الإدارية، يتطلب الاتفاق على التحكيم موافقة الوزير المختص أو من يتولى اختصاصه دون جواز التفويض في ذلك، وإغفالها يهدد صحة الشرط تهديدًا جديًا.
التفكير في التنفيذ منذ اليوم الأول
مصر طرف في اتفاقية نيويورك لعام ١٩٥٨ بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، وهو ما ييسّر تنفيذ الأحكام الصادرة في مصر لدى الدول الأعضاء الأخرى والعكس. لذلك ينبغي عند اختيار المقر مراعاة مكان أصول الطرف الآخر، وعدم إغلاق باب الحماية العاجلة؛ إذ يجيز القانون اللجوء إلى المحكمة المختصة لاتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية قبل بدء التحكيم أو أثناء سيره.
تقدم هذه المقالة معلومات قانونية عامة ولا تُعد استشارة في حالة بعينها؛ إذ تختلف الصياغة المناسبة باختلاف العقد وأطرافه وقيمته. وإذا كنتم بصدد التفاوض على عقد أو مراجعة شرط تحكيم قائم، يسعد فريق التقاضي والتحكيم في سلامة وشركاه بمساعدتكم.



